محمد بن جعفر الكتاني

170

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ولد - رحمه اللّه - يوم الأربعاء ثاني جمادى الأخيرة سنة اثنين وأربعين وألف ، وكانت له معرفة بالعربية والفقه والنوازل ، والحديث والتفسير والأصلين ، والبيان والتصوف . . . وغير ذلك . يقرأ البخاري ، و " المدونة " ، ومختصر خليل ، وتسهيل ابن مالك ، ومختصر السعد على " التلخيص " ، ومختصر ابن الحاجب الأصلي ، و " جمع الجوامع " للسبكي ، وتفسير القرآن ، و " الحكم العطائية " ، و " الرسالة " ، و " الموطأ " . . . وغير ذلك . وله أجوبة دالة على ما له من اليد في العلم والتبحر فيه . وكان ثقة فاضلا ، ذا صيت كبير ، ووجاهة عظيمة . وأسن حتى صار شيخ الجماعة بفاس ، وأحد كبراء علمائها ، مرجوعا إليه في المعضلات ، معتمدا على ما يقول في النوازل والمشكلات . وولي قضاء فاس والفتوى بها مرارا ، وعزل عن ذلك كله . وكان آخر مرة عزل عن القضاء ولم يرجع إليه : سابع صفر عام تسعة عشر ومائة وألف ، ثم ولي النظر في أحباس فاس قبل موته بخمس سنين . وكان خاتمة قضاة المغرب عدلا ، وأذكاهم فهما ونبلا ، ذا همة [ 138 ] عالية ، ومروءة عن دنس طرق الطمع خالية ، يتعيش بما ورثه من تلاده ، ومن مستفاد فلاحة أجنته وبلاده ، ولا يدخل عليه من جهة القضاء إلا ما عين له من مرتب المسجد ، ويكتب شهادة أرباب البصر بيده ، ولا يتلقاها منهم العدلان كما كانت العادة عند القضاة . وكان كثيرا ما ينشد : وقائلة : لم عرتك الهموم * وأمرك ممتثل في الأمم فقلت : ذريني على حالتي * فإن الهموم بقدر الهمم أخذ عن شيخ الجماعة سيدي عبد القادر الفاسي واعتمد عليه ، وعن أبي العباس حمدون المزوار ، والقاضي أبي عبد اللّه ابن سودة . . . وأضرابهم . وأخذ عنه جماعة كثيرة من فقهاء أهل فاس ؛ كالشيخ سيدي عبد السلام بن الطيب القادري ، والشيخ أبي عبد اللّه المسناوي ، والشيخ أبي عبد اللّه محمد بن عبد السلام البناني ، والشيخ سيدي عبد المجيد بن علي المنالي ، والشيخ سيدي أحمد بن محمد الخياط ابن إبراهيم الدكالي . . . وغيرهم . وتوفي غدوة يوم الاثنين ، منتصف رجب سنة ثلاث وثلاثين ومائة وألف . قال في " المورد الهني " : « ودفن مع جده بروضته القريبة من روضة ولي اللّه سيدي محمد بن الحسن الفلالي ، خارج باب الجيسة ، نفعنا اللّه به » . ه . وقال في " النشر " : « دفن خارج باب عجيسة من فاس ، بطرف فدان الغرباء ، وعليه بناء يزار » . ه . وقال في " التقاط الدرر " : « دفن خارج باب الجيسة ، قرب واد المالح هناك . رحمه اللّه » . ه . وروضته مشهورة إلى الآن بطرف الفدان المذكور ، يدور بها حوش عالي البناء ، وعلى ضريحه بها قوس كبير ، وهو مشهور مزار معظم إلى الآن .